ابن كثير

53

السيرة النبوية

من يعبد من دون الله حصب جهنم مع من عبده ؟ فنحن نعبد الملائكة ، واليهود تعبد عزيرا ، والنصارى تعبد عيسى . فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول ابن الزبعرى ، ورأوا أنه قد احتج وخاصم . فذكر ذلك لرسول الله صلى عليه وسلم فقال : " كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده في النار ، إنهم إنما يعبدون الشياطين ومن أمرتهم بعبادته " . فأنزل الله تعالى : " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون . لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون " ( 1 ) . أي عيسى وعزيز ومن عبد من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله تعالى . ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنها بنات الله : " وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ، سبحانه ، بل عباد مكرمون " ( 2 ) . والآيات بعدها . ونزل في إعجاب المشركين بقول ابن الزبعرى : " ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون . وقالوا أآلهتنا خير أم هو ؟ ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون " ( 3 ) . وهذا الجدل الذي سلكوه باطل . وهم يعلمون ذلك ، لأنهم قوم عرب ، ومن لغتهم أن " ما " لما لا يعقل ، فقوله " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون " إنما أريد بذلك ما كانوا يعبدونه من الأحجار التي كانت صور أصنام ، ولا يتناول ذلك الملائكة الذين

--> ( 1 ) سورة الأنبياء . 101 ، 102 ( 2 ) سورة الأنبياء . 26 - 29 سورة الزخرف 57 ، 58 .